حسين بن منصور الحلاج

11

ديوان الحلاج

وأنشأ الحلاج في رحلته صلات وثيقة بأهالي المناطق التي زارها ، يتضح ذلك من تتمة الخبر الذي رواه ابنه حمد الذي قال عن أبيه الحلاج : ( لما رجع كانوا يكاتبونه من الهند بالمغيث ؛ ومن بلاد ماصين وتركستان بالمقيت ؛ ومن خراسان بالمميز ؛ ومن فارس بأبي عبد اللّه الزاهد ؛ ومن خوزستان بالشيخ حلاج الأسرار وكان ببغداد قوم يسمونه المصطلم ؛ وبالبصرة قوم يسمونه المحير ثم كثرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السفرة ) « 1 » . وإن دلت هذه الألقاب على شيء ؛ فإنما تدل على المكانة العالية التي كان يتمتع بها هذا العارف عند هذه الأقوام . ويرى سامي مكارم « 2 » أنه كان لهذه الرحلة المشرقية أثر عميق في الحلاج ففي هذه الحقبة من حياته ، بدءا من رحلته هذه حتى إعدامه ، وتوصل هذا الصوفي العارف إلى التحقق بالوحدة الإلهية التي لا تتأتى للمرء أن يحقق ذاته بها إلّا من خلال هذا الشوق الإلهي ؛ وهذا الوجد وهذا الحب . فيتخلى عن إنائيته مصدر الظلمة والعدم والجهل والعذاب ، فالحب العارم الشامل لكل حب آخر ، والماحق لكل تعبير عن وهم الجزئية ولكل شيء في الوجود الحسي الموهوم هو الحياة كل الحياة . وبعد عودة الحلاج من هذه الرحلة المشرقية ؛ قام وحجّ ثالثا ؛ وجاور سنتين ، وذلك حوالي سنة 290 ه / 903 م ، وكان عمره حينذاك نحو ست وأربعين سنة . ثم رجع وتغير عما كان عليه . واقتنى العقار ببغداد ، وبنى دارا ، وأقام في بيته كعبة مصغرة ، حتى خرج عليه قاضي بغداد محمد بن داود الظاهري « 3 » ، الذي عدّ ما اعتقده الحلاج من علاقة إلهية بمثابة تنزيل من اللّه ، كما أن الحب بنظر ابن داود مقصور على العلاقة الزوجية التي ليس لها غاية سوى الإبقاء على الجنس البشري ، وإطلاق العنان لمفهوم الحب يؤدي - كما يرى ابن داود - إلى الضلال . وهذا ما أثار نقمة ابن داود وحدا به إلى رفع أمر الحلاج إلى القضاء لمحاكمته بتهمة الكفر . غير أن القاضي الشافعي ابن سريج الذي كان مطّلعا على آراء الصوفية ؛ ومتفهما لمعانيها أبى إدانة الحلاج . وكان إذا سئل عنه يقول : هذا رجل خفي عني حاله وما أقول فيه شيئا ، وهذا الموقف الذي وقفه ابن سريج منع محاكمة الحلاج بتهمة الكفر « 4 » .

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 113 ، 114 ، وسير أعلام النبلاء 14 / 315 ، وشذرات الذهب 2 / 254 . ( 2 ) انظر كتابه « الحلاج » ص 34 . ( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 114 . ( 4 ) انظر كتابه « الحلاج » ص 38 ، 40 .